محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )

235

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

بكون ذاته تعالى علما تفصيليّا بجميع الأشياء وأنّه متفرّد من بين الفلاسفة بذلك ولم ينسب إليه القول بحصول الصور في ذاته ، وصدّقه ابن رشد في ذلك النقل « 1 » إلّا أنّه جعله موافقا للفلاسفة في ذلك على ما مرّ ، فلو لا أنّ مراد الشيخ هو ما ذكرنا ، لما صحّ ذلك النقل وتصديقه فيه مع كون كتبه ورسائله مشحونة بحديث الصور على ما عرفت ، وعلى هذا يكون ما مرّ غير مرّة في كلام الشيخ - من أنّ اتّصافه تعالى بتلك الصور إنّما هو من حيث هي حاصلة فيه أو أنّها حاصلة فيه من ذاته لا من غيره وأمثال ذلك - إشارة إلى أنّ المراد من الحصول هاهنا ليس هو المعنى المشهور المتبادر ، بل هو معنى آخر ، فليتأمّل جدّا . وهذا هو الكلام في العلم بالكلّيّات والطبائع المرسلة والجزئيّات المجرّدة ، وهذا العلم ثابت دائما غير متغيّر أصلا كالمعلوم . [ في كيفيّة علمه تعالى بالجزئيّات الماديّة المتغيّرة ] وأمّا العلم بالجزئيّات المادّيّة المبدعة والحادثة المتغيّرة ، فقد يكون أيضا دائما غير متغيّر وإن تغيّر المعلوم وذلك إذا كان العلم بها حاصلا من أسبابها وعللها المتأدّية إليها ، فيكون تعقّلا وغير محتاج إلى آلة ، وقد يكون متغيّرا ، فيكون حادثا بعد ما لم يكن ، وزائلا بعد ما كان ، وذلك إذا كان حاصلا من وجوداتها ، فيكون إحساسا ومحتاجا إلى آلة ، وعلم البارئ تعالى بالأشياء لمّا لم يجز أن يكون حاصلا له من وجودات الأشياء - لما عرفت - وجب أن يكون علمه بالجزئيّات حاصلا له من ذاته التي هي علّة للوجودات كلّها فينتهي إليها سلسلة العلل والأسباب ، فيكون تعقّلا ويكون ثابتا غير متغيّر أصلا وإن تغيّر المعلوم ؛ فإنّه تعالى يعلم كلّا في وقته علما ثابتا قبل ذلك الوقت وفيه وبعده ، فيعلم وجوده بالأسباب المتأدّية إليه وعدمه بالأسباب المعدمة له ، ولا يتوقّف علمه بالوجود إلى حضور الآن والزمان الذي

--> ( 1 ) . انظر ص 190 - 191 من هذا الجزء .